محمد بن جرير الطبري

119

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وذي ضغن كففت النفس عنه * وكنت على مساءته مقيتا أي قديرا . وقد قيل : إن منه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت " في رواية من رواها : " يقيت " : يعني من هو تحت يديه في سلطانه من أهله وعياله ، فيقدر له قوته . يقال منه : أقات فلان الشيء يقيته إقاتة ، وقاته يقوته قياتة وقوتا ، والقوت الاسم . وأما المقيت في بيت اليهودي الذي يقول فيه : ليت شعري وأشعرن إذا ما * قربوها منشورة ودعيت ألي الفضل أم علي إذا حو * سبت إني على الحساب مقيت فإن معناه : فإني على الحساب موقوف ، وهو من غير هذا المعنى . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها يعني جل ثناؤه بقوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ إذا دعي لكم بطول الحياة والبقاء والسلامة . فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها يقول : فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن مما دعا لكم ، أَوْ رُدُّوها يقول : أو ردوا التحية . ثم اختلف أهل التأويل في صفة رد التحية التي هي أحسن مما حيا به المحيي ، والتي هي مثلها ، فقال بعضهم : التي هي أحسن منها أن يقول المسلم عليه إذا قيل : " السلام عليكم " : وعليكم السلام ورحمة الله ، ويزيد على دعاء الداعي له ؛ والرد أن يقول رد التحية : السلام عليكم مثلها ، كما قيل له ، أو يقول : وعليكم السلام ، فيدعو للداعي له مثل الذي دعا له . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها رد التحية يقول : إذا سلم عليك أحد ، فقل أنت : " وعليك السلام ورحمة الله " ، أو تقطع إلى " السلام عليك " ، كما قال لك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها رد التحية قال : في أهل الإسلام . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج فيما قرئ عليه ، عن عطاء رد التحية ، قال : في أهل الإسلام . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن شريح : أنه كان يرد : " السلام عليكم " ، كما يسلم عليه رد التحية . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن ابن عون وإسماعيل بن أبي خالد ، عن إبراهيم ، أنه كان يرد رد التحية : السلام عليكم ورحمة الله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن عطية ، عن ابن عمر أنه كان يرد رد التحية : وعليكم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : فحيوا بأحسن منها أهل الإسلام رد التحية ، أو ردوها على أهل الكفر . ذكر من قال ذلك : حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن الحسن بن صالح ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : من سلم عليك من خلق الله ، فاردد عليه وإن كان مجوسيا ، فإن الله يقول : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها رد التحية . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا سالم بن نوح ، قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، في قوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها للمسلمين ، أَوْ رُدُّوها رد التحية على أهل الكتاب . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها للمسلمين ، أَوْ رُدُّوها رد التحية على أهل الكتاب . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها يقول : حيوا أحسن منها : أي على المسلمين أَوْ رُدُّوها رد التحية . أي على أهل الكتاب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد في قوله : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها قال : قال أبي زيد : حق على كل مسلم حيي بتحية أن يحيي بأحسن منها ، وإذا حياه غير أهل الإسلام أن يرد عليه رد التحية مثل ما قال . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بتأويل الآية قول من قال ذلك رد التحية في أهل الإسلام ، ووجه معناه إلى أنه يرد السلام على المسلم إذا حياه تحية أحسن من تحيته أو مثلها . وذلك أن الصحاح من الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه